جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إن غياب التدابير الحكومية في لبنان لحماية عاملات المنازل الأجنبيات فاقم من سوء ظروفهن في ظل جائحة فيروس كورونا (كوفيد – 19) والأزمة الاقتصادية الشديدة التي تشهدها البلاد.

   يتعيّن على الحكومة اللبنانية التحرك الفوري لإيجاد الحلول الملائمة لحماية العاملات الإثيوبيات ومواجهة ما يقدم عليه بعض أصحاب العمل من صرف تعسفي لهن وتركهن يواجهن مصيرًا مجهولًا في ظل أزمة كورونا   

طارق حجار، مستشار قانوني لدى الأورومتوسطي

وندّد المرصد الأورومتوسطي ومقرّه جنيف في بيان صحفي، بطرد عائلات لبنانية عشرات العاملات الإثيوبيات ورميهن على طريق القنصلية وتركهن يواجهن مصيرًا مجهولًا في ظل تقطع السبل أمامهن نتيجة إغلاق المطارات وتعطيل حركة السفر في هذه الفترة.

ووثق باحثو المرصد الأورومتوسطي افتراش عشرات العاملات الإثيوبيات الأرض منذ أيام أمام مقر قنصلية بلادهم في منطقة "الحازمية" في إحدى ضواحي العاصمة بيروت بعد أن تخلى أصحاب العمل عنهن. وما زاد الوضع سوءًا اشتراط القنصلية الإثيوبية في لبنان على من تريد العودة إلى وطنها أن تتكفل بالنفقات المادية للحجر 14 يومًا في فنادق أديس أبابا بكلفة تفوق 770 دولارًا أميركيًا، أي ما يعادل راتب أكثر من خمسة أشهر من العمل في لبنان.

وقالت العاملات إنه تم طردهن بشكل تعسفي بدعوى الأزمة الاقتصادية وعدم قدرة العائلات على دفع رواتبهن بالدولار أو حتى بالليرة اللبنانية نتيجة فرق السعر الكبير.

واشتكت العاملات من عدم تقاضيهن لرواتبهن منذ شهر إلى أربعة أشهر، إضافة إلى رفض العائلات توفير أي مأوى لهن، والتخلص منهن بإلقائهن قسرًا أمام مقر قنصلية بلادهن دون مراعاة لسوء أوضاعهن.

ويعمد العديد من أرباب العمل إلى دفع رواتب العاملات الأجنبيات بالليرة اللبنانية وفقًا لاحتساب سعر الدولار 1500 ليرة، بينما يتخطى السعر الحالي في السوق 4.200 ليرة لبنانية مقابل الدولار الأميركي الواحد، علما أن هذه الرواتب تُعد من أكثر الرواتب انخفاضًا بسبب استثنائهن من قانون العمل وبالتالي الاستفادة من الحدّ الأدنى للأجور. وأكّدت نقابة أصحاب مكاتب استقدام العاملات الأجنبيات في لبنان على أن الدفع يجب أن يكون بالدولار الأمريكي كما ينص العقد الموقع بين الأطراف، فالعاملات الأجنبيات لا ينبغي أن يدفعن ثمن انهيار الليرة اللبنانية.

وبحسب توثيق حركة "مناهضة العنصرية في لبنان" يوجد في لبنان 161,311 عاملة إثيوبية نظامية، بالإضافة إلى نحو ألف عاملة غير نظامية أجبرن على مخالفة شروط الإقامة بسبب طبيعة نظام الكفالة الذي يفرض هذا الواقع على العاملات.

وتعاني العديد من العاملات وبشكل يومي، من إساءات وانتهاكات لا توصف، وخلال العام 2019 توفيت 36 عاملة إثيوبية على الأقل في لبنان وفقًا لتصاريح غير رسمية صادرة عن القنصلية الإثيوبية، فيما يرجح أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير.

وقال المرصد الأورومتوسطي إنّ حماية حقوق عاملات المنازل الإثيوبيات وغيرهن من الجنسيات الأجنبية في لبنان يعد أمرًا في غاية الصعوبة نظرًا لاستثنائهن من قانون العمل اللبناني بموجب المادة السابعة منه، كما أن لبنان على المستوى الدولي، لم يوافق سوى على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189 الخاصة بظروف العمل اللائقة لعاملات المنازل، وقد تم إقرارها في يونيو/حزيران 2011، لكن لم تتخذ خطوات بعد للتصديق على الاتفاقية أو الالتزام بها.

وتطالب الاتفاقية المذكورة الحكومات بإمداد عاملات المنازل بتدابير حماية عمالية توازي تلك التي يحصل عليها العمال الآخرين، ومراقبة مكاتب الاستخدام بدقة، وتوفير تدابير حماية من العنف.

وبالرغم من عدم تصديق لبنان على اتفاقية العام 1990 المتعلقة بحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم، إلاّ أنّه صدّق على العديد من اتفاقيات حقوق الإنسان وعلى معايير العمل الدولية التي تشتمل على أحكام خاصة بالعمال المهاجرين بشكل عام وبالعاملات الأجنبيات بشكل خاص.

وأشار الأورومتوسطي إلى أنّ الإطار التنظيمي الوحيد المتاح لهذه الفئة يتمثل في نموذج عقد العمل الفردي الذي اعتمده لبنان عام 2009 إثر الضغوط المكثفة التي مارستها المنظمات غير الحكومية، فيما يسمح غياب التدابير القانونية لأرباب العمل اللبنانيين بمواصلة الممارسات السيئة والانتهاكات ضد عاملات المنازل.

 وتجدر الإشارة أن عقد العمل الموحد -على عيوبه- المعتمد من قبل وزارة العمل اللبنانية يكفل العديد من الحقوق الأساسية للعاملات الأجنبيات في لبنان إذا ما جرى الالتزام به، وتتلخص أهم هذه الحقوق بحق العمل في بيئة نظيفة وآمنة مع الحفاظ على خصوصية العاملة، وحق الرعاية الصحية والحصول على تأمين صحي خاصيغطي تكاليف الحوادث الطارئة والعلاج في المستشفى، والحق في الحصول على إجازة وإقامة عمل قانونية تجدد سنويًا على نفقة رب العمل وحده، كما يمنح العقد العاملات تذكرة سفر للعودة إلى بلادها عند انتهاء أو إنهاء عقد العمل على نفقة رب العمل، إضافة إلى الحق في الحصول على ساعات راحة محددة وإجازات أسبوعية وسنوية، والأهم الحصول على الأجر بالعملة المذكورة في عقد العمل.

ودعا المستشار القانوني لدى الأورومتوسطي "طارق حجّار" وزارة العمل اللبنانية إلى وضع حلول عملية عند وجود أي نزاع حول عقد العمل بين رب العمل والعاملة المنزلية عبر اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق رب العمل في حال مخالفة العقد أو تخلفه عن تنفيذ التزاماته.

ولفت "حجار" إلى أنّه في ظل عدم تسوية وضع العاملات الإثيوبيات، يتعيّن على الحكومة اللبنانية وخاصة وزارة العمل والأمن العام التحرك الفوري لإيجاد الحلول الملائمة لحماية العاملات الإثيوبيات في لبنان ومواجهة ما يقدم عليه بعض أصحاب العمل من صرف تعسفي لهن وتركهن في الشارع يواجهن مصيرًا مجهولًا في ظل أزمة كورونا، مشدّدًا على ضرورة  تطبيق القانون بشكل جدّي وصارم عبر تنفيذ التزامات أصحاب العمل المذكورة في عقود العمل وفرض الغرامات على المخالفين منهم، وتحميلهم مصاريف وأجور وإيواء العاملات في مكان لائق وتأمين العيش الكريم لهن، وتحميلهم تكاليف ومصاريف السفر ودفع الرواتب، وإلغاء كافة الغرامات وتسهيل عودة العاملات الى أوطانهن.

وطالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان السلطات اللبنانية بالتحرك فورًا لإنصاف عاملات المنازل الإثيوبيات وغيرهن في البلاد وعدم التسامح مطلقًا بشأن الانتهاكات المرتبكة بحقهن من قبيل الأجور غير المدفوعة أو الإيذاء أو الطرد وتركهن دون مأوى.

وأكد على وجوب التزام الحكومة اللبنانية بتوسيع حماية قانون العمل لتشمل عاملات المنازل والتحقيق في الانتهاكات بحقهن، فضلًا عن ضرورة إصلاح نظام الكفالة، والتوقيع على اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمال المنزليين، لحماية حقوق عاملات المنازل، والتصديق على البروتوكول الجديد لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 29 بشأن العمل الجبري.

خلفية

يقدر عدد عاملات المنازل من جنسيات أجنبية في لبنان بأكثر من 300 ألف، وهن الوافدات من أفريقيا وجنوب آسيا وجنوبي شرقي آسيا.

ويعرّض نظام "الكفالة" في لبنان العمال والعاملات من المهاجرين إلى قوانين مقيدة لا تمكنهم من ترك عملهم أو تغييره دون موافقة الكفيل، وهذا النظام يجعل الكفيل يتحمل المسؤولية القانونية عن العاملات الوافدات وبذلك يعطي صاحب العمل سلطة كبيرة على حياة العمال الذين يتعرضون غالبًا للاستغلال والإساءة وسوء المعاملة.