جنيف – دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الدنمارك إلى إعادة النّظر على نحو عاجل في قرار إعادة لاجئين سوريين إلى بلادهم باعتبارها "مكانًا آمنًا"، رغم تأكيدات الأمم المتحدة الواضحة أنّ البلاد ما تزال تشهد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وظروف معيشية مزرية.

 

   قرار إلغاء حالة اللجوء وتصاريح الإقامة عن اللاجئين وطالبي اللجوء لن يؤدي إلاّ إلى خلق مناخ من عدم اليقين والخوف بينهم، وسيهدد اندماجهم في الدّنمارك بشكل كبير   

ميشيلا بولييزي، باحثة في شؤون الهجرة في المرصد الأورومتوسطي

 

وعبّر المرصد الحقوقي الأوروبي ومقرّه جنيف في بيان صحفي اليوم، عن قلقه البالغ إزاء قرار الدنمارك، لافتًا إلى أنّ القرار الخطير يشير إلى ميل واضح في السياسة الدنماركية نحو اليمين المتطرف.

وكانت الدنمارك ألغت في مارس الماضي تصاريح الإقامة لـ 94 لاجئًا سوريًا بعد إعادة النظر في تصاريح نحو 900 لاجئ سوري، بموجب قرار لها في ديسمبر/كانون الأول 2019 اعتبر محافظة دمشق غير خطرة بما فيه الكافية لمنح الحماية الدولية للأشخاص القادمين منها.

وقال المرصد الأورومتوسطي إنّ القرار الأخير يصنّف محافظة ريف دمشق بأكملها، بالإضافة لمحافظة دمشق، مناطق آمنة، ما يعني أن أوضاع 350 سوريًا آخر ستخضع إلى إعادة التّقييم وقد يؤدي ذلك إلى إلغاء صفتهم كلاجئين.

وبيّن أنّ القرار صدر بعد تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا الذي أكد أنّ البلاد ما تزال تحت وطـأة الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وكان التقرير أكّد أنّ "الحجم الهائل لسياسات وأفعال الحكومة ونطاقها واتساقها، التي تبيَّن للجنة أنها ترقى إلى حد جرائم ضد الإنسانية، قد استمر دون هوادة طوال عشر سنوات تقريباً دون أي دلالة على أن الحكومة تعتزم التوقف عن هذه الممارسات".

وأكد الأورومتوسطي أنّ ما يحسم الجدل عند تحديد ما إذا كانت الظروف في دمشق وما حولها قد تغيرت بشكل كبير لتبرير عدم الحاجة للحماية الدولية هو ما إذا كان يمكن للاجئ "الاستظلال بحماية بلده الأصلي" كما هو منصوص عليه في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.

وأشار إلى أنّ لجنة التحقيق بيّنت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الحماية بعيدة كل البعد عن أن تكون متاحة، إذ إنّ الحكومة والأطراف المتحاربة الأخرى ليسوا مستعدين ولا قادرين على محاسبة الجناة بطريقة تتوافق مع المعايير الدولية.

وذكر الأورومتوسطي أنه من المؤشرات الأساسية التي توضح ما إذا كانت الدولة تعمل وكيف تعمل هو الوضع العام لحقوق الإنسان، بدءًا من الحق الأساسي في الحياة والحرية وحظر التعذيب. ولكن، بحسب لجنة التحقيق، ما يزال عشرات الآلاف من المدنيين محرومين بشكل غير قانوني من حريتهم، بينما يتعرض آلاف آخرون للتعذيب أو العنف الجنسي أو الموت أثناء الاحتجاز.

والدنمارك هي أول دولة من الاتحاد الأوروبي تعيد اللاجئين السوريين بزعم أن سوريا لم تعد خطرة، وهو ما يتوافق مع أهداف رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسون التي لا تخفي نيّة بلادها الوصول إلى درجة "صفر طلب لجوء"، في الوقت الذي تشهد البلاد أقل عدد من طلبات اللجوء منذ عام 1998.

وأوضح الأورومتوسطي أنّ معظم اللاجئين السوريين الذين تم إلغاء تصاريح إقامتهم أو سيتم إلغاؤها قد أعادوا بناء حياتهم بالفعل في الدنمارك منذ عدة سنوات، إذ درسوا وعملوا واندمجوا في المجتمع الدنماركي، ما يشير إلى أنّ السياسة الجديدة ستهدد الوضع القائم لهؤلاء اللاجئين الذين طوّروا، بفضل إقامتهم الطّويلة، روابط أسرية واجتماعية واقتصادية قوية في البلاد.

وحذّر من أن أولئك اللاجئين قد ينتهي بهم المطاف بالعيش في معسكرات التّرحيل في الدّنمارك لسنوات طويلة نظرًا لأنها ترفض التفاوض أو التعاون مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد ولا يمكنها إعادة اللاجئين السوريّين قسراً، إذا رفضوا العودة طواعية.

وقالت الباحثة في شؤون الهجرة في المرصد الأورومتوسطي "ميشيلا بولييزي" إنّ "هذه السّياسة تبدو بعيدة كل البعد عن إيجاد حل دائم علاوة على أنّها تعطل الحياة التي بناها مئات اللّاجئون، في حال وضعهم في مخيمات التّرحيل إذا رفضوا العودة إلى سوريا التي مزقتها الحرب".

وأضافت أنّ قرار إلغاء حالة اللجوء وتصاريح الإقامة عن اللاجئين وطالبي اللجوء، الذي لا يستند على أسس كافية، لن يؤدي إلاّ إلى خلق مناخ من عدم اليقين والخوف بين اللاجئين، مما سيهدد اندماجهم في الدّنمارك بشكل كبير.

ولفت الأورومتوسطي إلى أنّ المبادئ التوجيهية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن إلغاء وضع اللاجئ نصّت على أنّ "التّغييرات التي تطرأ على جزء من بلد منشأ اللاجئ يجب ألّا تؤدي إلى إلغاء وضع اللاجئ" وكذلك لا يمكن أن تنتهي الحماية الدولية إلا إذا أزيلت أسباب الاضطهاد "دون شرط مسبق بأن اللاجئ يجب أن يعود إلى مناطق آمنة معينة من البلاد لكي يكون آمنًا من الاضطهاد".

ودعا المرصد الأورومتوسطي الدنمارك إلى احترام وإعمال الحق في طلب اللجوء والتمتع به والمبدأ الأساسي لعدم الإعادة القسرية والامتناع عن إجراء أي مراجعات سابقة لأوانها لاحتياجات حماية اللاجئين السوريين والمواءمة مع بنود التوقف الواردة في المادة 1 (ج) من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.

وطالب الأورومتوسطي الدّنمارك بالتأكد من أنّ الظروف في سوريا قد تغيّرت بشكل دائم من خلال معلومات من الهيئات ذات الصلة، من أجل ضمان موضوعية وعدالة إجراءاتها التي تتضمن إلغاء حالة اللجوء.

وحثّ الأورومتوسطي الدنمارك على الانضمام إلى جميع قوانين اللّجوء في الاتحاد الأوروبي ونظام اللّجوء الأوروبي المشترك.